القرطبي
375
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والأشجار والجبال والبحار وغيرها . وفي الصحاح : الآفاق النواحي ، واحدها أفق وأفق مثل عسر وعسر ، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء : إذا كان من آفاق الأرض . حكاه أبو نصر . وبعضهم يقول : أفقي بضمها وهو القياس . وأنشد غير الجوهري : أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع " وفي أنفسهم " من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول ، فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين ، وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام ، وفى أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة . وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه . وقيل : " وفي أنفسهم " من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدم في [ المؤمنون ] ( 1 ) بيانه . وقيل : المعنى سيرون ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن وأخبار الغيوب " حتى يتبين لهم انه الحق " فيه أربعة أوجه [ أحدها ] أنه القرآن . [ الثاني ] الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم إليه . [ الثالث ] أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق . [ الرابع ] أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الحق . " أو لم يكف بربك " في موضع رفع بأنه فاعل " بيكف " و " أنه " بدل من " ربك " فهو رفع إن قدرته بدلا على الموضع ، وجر " إن " قدرته بدلا على اللفظ . ويجوز أن يكون نصبا بتقدير حذف اللام ، والمعنى أو لم يكفهم ربك بما دلهم عليه من توحيده ، لأنه " على كل شئ شهيد " وإذا شهده جازى عليه . وقيل : المعنى " أو لم يكف بربك " في معاقبته الكفار . وقيل : المعنى " أو لم يكف بربك " يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار . وقيل : " أو لم يكف بربك " شاهدا على أن القرآن من عند الله . وقيل : " أو لم يكف بربك أنه على كل شئ " مما يفعله العبد " شهيد " والشهيد بمعنى العالم ، أو هو من الشهادة التي هي الحضور " الا انهم في مرية " في شك " من لقاء ربهم " في الآخرة . وقال السدي : أي من البعث . " إلا إنه بكل شئ محيط " أي أحاط علمه بكل شئ .
--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 109 طبعة أولى أو ثانيه .